الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 المصالح العليا للأمة وضرورة المحافظة عليها ( الجزء الأول )

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمود الليبي السلف



عدد الرسائل : 146
تاريخ التسجيل : 21/04/2007

مُساهمةموضوع: المصالح العليا للأمة وضرورة المحافظة عليها ( الجزء الأول )   الجمعة مايو 25, 2007 5:40 pm

الجزء الأول من محاضرة المصالح العليا للأمة وضررورة المحافضة عليها

[من هم المرجعية في تحديد المصالح العليا للأمة؟]
هنا نأتي إلى أمر مهم وهو أن رعاية المصالح -المصالح العليا في الأمة- لاشك أنها مادام أنها راجعة إلى هذه الأمور الخمسة -وسيأتي تفصيل الكلام على أطراف منها- فإننا نجد أن الحاجة ماسة إلى معرفة من الذي يرجع إليه في فهم هذه المصالح.
ذكرت لكم أن المصالح:
منها مصالح عليا وهي المرادة بهذه المحاضرة.
ومنها مصالح وسطى تتعلق بعامة الناس.
ومنها مصالح فردية تتعلق بالمفرد المسلم في ذاته.
وكلامنا على المصالح العليا وما يتصل بذلك.
هنا من يلي المصالح؟ ومن هو الذي يوعز إليه أو هو المطالب شرعا برعاية هذه المصالح؟
كما رأينا المصلحة مراد الشرع وتحقيقها تحقيق للشرع، وإذا كان الأمر كذلك فإن كل فرد في الأمة مخاطب بتحقيق مصلحة بحسب ما خوطب به من الشريعة.
فالمصلحة المنوطة بالإمام ولي الأمر لها شأنها.
المصلحة المنوطة بالقاضي لها شأنها.
المصلحة المنوطة برجال الإفتاء لها شأنها.
المصلحة المنوطة برجال السياسة لها شأنها.
المصلحة المنوطة برجال الاقتصاد لها شأنها.
المصلحة المنوطة برجال الأمن والحماية وحفظ الثغور لها شأنها.
وهكذا في كل التفاصيل، والله جل وعلا يقول في محكم التنزيل ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ?[الأنعام:82]، ويقول أيضا جل وعلا ?يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ?[ص:26]، ويقول أيضا جل وعلا ?وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا? النتيجة والمصلحة ?يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا?[النور:55].
[المسؤولية في مصالح الأمة العليا راجعة إلى ولي الأمر أو من ينيبه]
ونبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وابتدأها بقول «فالإمام راع ومسؤول عن رعيته» الحديث، وهذا الحديث المتفق على صحته يدل على أن المسؤولية عن تحقيق المصالح الشرعية منوطة بكل أحد بحسب حاله، فالمصالح الدنيا المتعلقة بالأفراد المسؤول عنها الفرد «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، والأمور المتعلقة بما هو أكبر منوطة أيضا بالمسؤولية، والمسؤولية العظمى لولي الأمر «والإمام راع ومسؤول عن رعيته».
وهذا يدل على أن الخطاب لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة عن الأمة منوط في الأصل بحكم عقد البيعة بالإمام وولي الأمر، ثم هو منوط بنوابه سواء كانوا أفرادا أو جهات، لهذا من يلي المصلحة ويعلم بهذه المصلحة؟
أولا الإمام ولي الأمر، وولي الأمر علمه بهذه المصلحة وكونه هو المخاطب بتحقيق المصالح الدينية والدنيوية قد يكون لإدراكه لهذه الأمور بنفسه أو يغيره من أهل الحل والعقد من المستشارين من مجلس الشورى من مستشاريه من خاصته ممن يثق فيهم، قد لا يتعين أن يكون هو المخاطب بها فقط، بل هو مخاطب بها إما بقوته في نفسه أو بمن معه من أهل الرأي والحل والعقد والاستشارة من ذوي العلم والاختصاص كل أهل مجال وتخصص في تخصصهم.
أو النواب نواب ولي الأمر الأفراد أو الجهات، مثلا أمير بلد أمير منطقة أو محافظ بلد أو وزير أو رئيس جهة معينة أو نحو ذلك؛ لأنه لابد من التنظيم، ولما ولي الأمراء في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتّخذ العمال قال في ذلك «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» لأجل أنّ التفويض هنا تفويض رعاية المصلحة في هذه الفئة من الأمة والناس أناطها بنائب له في تحقيق هذه المصلحة، ثم عليه هو أن يحاسبه على ما فعل وتحققيه للمصالح الدينية والدنيوية في الناس.
وكذلك الجهات قد تكون المصلحة منوطة بجهة ليس بفرد، فينوب عن الإمام بحكم العقد العام؛ ينوب عنه في تحقيق المصلحة جهة مثلا جهة قضائية، جهة الفتوى، جهة إمامة المساجد، الأصل أنّ الذي يؤم المساجد من؟ هو الإمام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان هو النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان الإمام وكان القاضي كان المفتي، وكان هو الذي يؤم الناس في المسجد، وهذا مشى فترة من الزمن حتى توسعت البلاد فلجأ ولاة الأمر والخلفاء إلى التنظيم بتجزئة العمل، فصار كل له اختصاص.
وقد يكون هناك جهات قضائية مسؤولة عن هذا الأمر في تحقيق مصالح الشرع في القضاء الذي هو تحقيق العدل ودفع الظلم والأخذ لذي الحق حقه من خصمه.
جهات الفتوى في التبليغ عن رب العالمين، وضبط ذلك، وأن لا يكون الناس في نزاع في هذه الجهة.
الجهات الأمنية فيما يخص ضبط الأمر.
الجهات الاقتصادية في ضبط أموال الناس فيما يخصهم.
الجهات الاجتماعية في رعاية أخلاق الناس ورعاية ما يصلحهم والمحافظة على الأسرة وبناء المجتمع.
لهذا كانت إذن المسألة موزعة من حيث من يلي هذه المصالح، مصالح دفع المنكرات وتحقيق المعروف منوطة بالجميع وبجهة مختصة في ذلك يقيمها ولي الأمر إن أراد ذلك، وهكذا في أشياء أخر.
[عدم جواز تعدي الفرد على الإمام في تحديد مصالح الأمة العليا]
هذا ينبني عليه إذن أن المصالح التي تحدثوا عنها -المصالح الراجعة للدين والراجعة للدنيا في مقصود الشرع من الخلق- هذه المصالح لابد أن يركز من يلي هذه المصالح ومن المخاطب بها، فإذا جاء أحد من الأفراد هو مخاطب بإصلاح بيته، المصلحة الشرعية المنوطة بالمنزل هو مخاطب بها فأراد نفسه مخاطبا بالمصالح الأمة العليا فحينئذ يكون قد تعدى ما جُعل له شرعا؛ لأن الحديث «الإمام راع ومسؤول عن رعيته» ثم فصّل حتى جاء إلى المرأة في بيتها والمرأة راعية ومسؤولة، فإذن كل أحد عنده مسؤولية بحكم الشرع فلابد أن يرعاها فإذا تعدى إلى هذه المسؤولية ودخل في تهيئة نفسه إلى مصالح لم يخاطب بها أصلا بتحقيقها أو براعيتها فإنه حينئذ يكون قد فعل ما لم يؤذن له في الشرع أو بما لا تتحقق معه المصلحة في الشرع.
المحافظة على هذه المصالح من حيث الأمور فرض وضرورة المحافظة على المصالح الدينية والدنيوية، ولهذا كان من الضرورات الملحّة أن يحفظ على الناس ما به صلاح دينهم وأن يحفظ على الناس ما به صلاح دنياهم.
[أهمية حفظ الدّين وكيفية ذلك]
أما صلاح الدين، بمعنى أن يكون دينهم صلاحا هي أعظم المقصود؛ لأن الرسل بعثت لإصلاح دين الناس، ودين الناس عام تحقيقه بتحقيق صلة الناس بربهم جل وعلا بعبادته وحده لا شريك له والامتثال للشرع -الامتثال للعبادات المفروضة العملية الأربعة- فدين الناس ممتثل في الأركان الخمسة للإسلام، وهذا هو المطلب الأعظم والمصلحة العليا التي تجب المحافظة عليها.
ولذلك قدمت المحافظة على الدين قبل المحافظة على الأنفس؛ لأنه هنا تجب المحافظة على دين الناس بمعنى أن يحافظ على توحيدهم عقيدتهم على عباداتهم على إتيانهم لفرائض وانتهائهم عن المحرمات والموبقات.
الدين به يتحقق الصلاح، والمراد به التوحيد وما يلزم عنه، والشرك وما يلزم عنه أو وسائل الشرك هذا هو الفساد، لهذا قال الله جل وعلا في سورة الأعراف ?وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ?[الأعراف:56]، ?وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا?، إصلاحها بأي شيء؟ قال أهل التفسير: بعد إصلاحها بالتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والإفساد فيها بالشرك ووسائل الشرك، لماذا؟ لأن المقصود الأعظم من خلق الإنسان هو أن يعبد الله جل وعلا ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ?[الذاريات:56]، فإذا كان الأمر كذلك فإن المحافظة على الدين يعني المحافظة على علة خلق الإنسان وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له، والرسل جميعا بُعثوا لأجل هذه الغاية، المحافظة على الدين أو لتجديد الدين أو لتذكير الناس بالدين وهو توحيد الله جل وعلا وطاعة الرسل، ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ?[النحل:36].
الدّين يرجع إلى التوحيد والعبادات ثم إلى المعاملات والأمور الاجتماعية والأسرية، ثم إلى الأخلاق.
ولهذا كان من الضروريات المحافظة على هذه الأصول جميعا:
[كيف نحافظ على التوحيد؟]
الأول: التوحيد، كيف يحافظ على التوحيد؟
أولا: أن يدعى إليه.
وأن يربى الصغار عليه حتى يفهموا حق الله عليهم حسب مستواهم وبحسب قدرتهم، يربوا على العقيدة الصحيحة التي تنكسر على صخرتها دعاوى الإلحاديين والتغريبيين والذين يريدون من الأمة أن ينصرفوا عن حقيقة هذا الدين إلى رؤى الغرب والشرق والانحلال من عبادة الله جل وعلا والدينونة له بالطاعة.
أيضا الكبار يذكّرون بهذا الأمر ويُدعون إليه بين الحين والآخر، ولذلك صارت الوسائل التي هذا الأمر ضروري أن يحافظ عليها.
فالذي يأتي مثلا ويقول إن مصلحة الأمة غير متعلقة بالدعوة إلى العقيدة أو الدعوة توحيد الله أو الدعوة إلى السنة أو الدعوة إلى طاعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو الدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح ونحو ذلك نحن يجب عليها أن ندعو إلى مصالح جديدة، هنا هو دعا إلى مصالح عقلية متوهمة، لكن المصالح الأصلية المنصوص عليها بالمحافظة على الدين الذي وصفنا لكم فإنه يكون قد تخلف عمن مراد شرعي من مقصود الشرع في الخلق وهو المحافظة على دين الناس وعلى توحيدهم وعقيدتهم وعبادتهم لربهم.
[كيف نحافظ على العبادات؟]
العبادات المقصود منها أن يكون هناك محافظة على أداء الناس لهذه العبادات، الصلوات في المساجد بالحض عليها والأمر بها وكثرة بناء المساجد، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما روت عائشة أمر ببناء المساجد في الدور، في الدور يعني في الأحياء في الأحياء ولان تنظف وتتطيب، ذلك لأن المصلحة العبادية مصلحة الشرع في عيادة الناس لا تتحقق إلا ببناء المساجد في الدور، ولذلك كان على الأمة أن تقوم بذلك لتحقيق هذه المصلحة في الناس.
الزكاة، الصيام، الحج، كذلك تيسر السبل لذلك وأن تحقق المصالح بأدائها.
لهذا نرى مثلا أن في مسألة الزّكاة أن الزكاة منها ما يلي أخذها الإمام أو نوابه، ومنها ما هو متروك للناس الأموال قسمان:
* أموال ظاهرة مثل الزّروع والثمار وبهيمة الأنعام وما أشبه ذلك.
* وأموال باطنة الريالات الذهب والفضة إلى آخره الأشياء الباطنة.
الأمور الباطنة التي ليست ظاهرة بينة الناس يرونها فهذه متروكة لك أنت تتولى صرفها وأنت مؤتمن على ذلك، لكن الأموال الظاهرة التي يراها الناس الزروع والثمار النخيل بهيمة الماشية الأنعام البقر الغنم الإبل وما شابه ذلك هذه كلها المخاطب بأن يأخذها من الناس ولي الأمر، لذلك المصلحة هنا أن تكون الأموال الظاهرة تبذل وتعطى للجهات المختصة حتى يدفعها لأهل الحاجات.
[ما هي المعاملات؟ وكيفية المحافظة عليها وعلى الأمور الأسرية والأخلاق]
أمور المعاملات، المعاملات البيع والشراء، الشركات، قروض وما يتصل بذلك، المساقاة المزارعة، هذه المسائل مسائل متعلقة بدنيا الناس؛ ولكن هي محافظة عليها من المحافظة على الدين، هنا يجب أن توضع السبل لكي يحافظ على أموال الناس وعلى أن يكون بعضهم لا يجني على بعض ولا يظلم بعضا، ولا يأكل بعضهم أموال بعض؛ لأن هذه مصلحة عامة متعلقة بتحقيق الحفظ لمال الناس وهو راجع لمقصود الشرع من الخلق، والله جل وعلا يقول ?وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ?[البقرة:279]، وذلك أن أساس المعاملات وتحقيق العدل بين الناس ودفع الظلم.
هكذا في الأمور المتعلقة الأمور الأسرية، الشريعة حافظت على التشريعات المتعلقة بالأسرة لأن فيها مصلحة الناس في تفاصليها.
كذلك الأمور المتعلقة بالخلاق الحفاظ على أخلاق الناس هذه مصلحة عامة يجب المحافظة على أخلاق الناس من جهة أدائهم للصدق وترك الكذب، رعايتهم للأمانة، إقامة الحقوق، عدم الغش والخيانة، الوفاء بالعهود وأشباه ذلك من المسائل.
إذا كان الأمر كذلك، فهذه المسائل تحتاج إلى أن يكون فيها تنظيمات عامة وفي الأمة ثم يكون الناس مخاطبون بتحقيق بهذه المصالح كل بحسبه، الذي في بيته، الذي مدرسته، الذي في عمله الذي في مسجده، وهكذا كل بحسب حاله.
المصالح الدينية العامة إذا حافظنا عليها مع من يلي تحقيق هذه المصالح فإنه يحصل من ذلك الكثير من الفوائد والعوائد والمصالح للناس:
أولا:
[من فوائد تحقيق المصالح الدينية: اجتماع الناس وعدم تفرقهم]
أن يكون هناك اجتماع في الدين وعدم افتراق والأساس أن الاجتماع في الدين من أهم المطالب في هذا الشرع، أن لا يتفرق الناس في دينهم، فاجتماع الناس على دين واحد هذا مطلب من المطالب الضرورية، فإذا صار الخلاف في الدين فإنه حينئذ يكون هناك بعد عن المصالح المرجوة في الأمة وذهاب إلى الفساد والاختلال والضياع، قال الله جل وعلا ?شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ?[الشورى:13]، هذا مما أجمعت عليه الرسل والمصلحة الدينية العامة أن نقيم الدين ولا نتفرق فيه.
هنا إقامة الدين وعدم التفرق فيه، هذا يخاطب به الذين يرعون المصالح العليا: الإمام أهل القضاء أهل الفتوى، كل بحسب حاله، أهل الاستشارة، أهل الحل والعقد، أهل النظر وأشباه هؤلاء.
التفرق في الدين مضر بالمصلحة العامة، ولذلك كل وسيلة من الوسائل التي تؤدي إلى الفرقة في الدين يجب أن تواجه؛ لأنها مضرة بالمصلحة ولأن الفرقة محققة للمفسدة ولهذا قال الله جل وعلا ?وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا?[آل عمران:103]، وقال جل وعلا أيضا ?وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ?[الأنفال:46]، فمسائل التنازع ، مسائل الخلاف، الفرقة، التفرق في الدين، أن يكون لكل ذي رأي رأيه، وأن يستحضر الناس الشح المطاع وعدم طاعة بعضهم لبعض، هذا من أعظم المفاسد التي تقدح في مصلحة الدين.
ولهذا كيف نحقق مصلحة الدين التي ذكرنا؟ تحقيق مصالح الناس في دينهم؟ في توحيد الله؟ في عقيدتهم؟ في عباداتهم؟ في معاملاتهم؟ في أسرهم؟ في أخلاقهم؟ لابد أن يرعى الاجتماع في الدين وعدم التفرق في الدين.
[من علامات التفرق في الدين: عدم الرجوع إلى أهل الاختصاص]
كيف يكون الترفق في الدين؟ أن لا يرجع الناس إلى أهل الاختصاص في اختصاصهم، مثلا يأتي أناس في جهة ويقولون: نحن إذا اختلفنا لا تذهبوا إلى قاضي البلد بعضنا يحكم لبعض، هذا يحصل مفسدة كبيرة لأن فيه إحداث للفرقة في هذا الأمر، إذا جاء أحد وقال: إن الناس: العلماء، أو ولي الأمر الإمام، الجهات، هؤلاء قصروا في الدين فيجب أن نستقل نحن بالمحافظة على مصلحة الدين هذا ظاهره حسن أنه يريدون المحافظة على المصلحة لكن حقيقته باطل شرعا من جهتين:
الجهة الأولى: أنه ليس من اختصاصهم ولا مما تعبدهم الله جل وعلا به أن يحفظوا ويحافظوا على المصالح العامة، هم ذمتهم بريئة لأنهم غير منوط بهم المحافظة على المصالح العامة، مصلحة الفتيا مصلحة أهل العلم مصلحة القضاء مصلحة الأخلاق العامة مصلحة الأمة العامة، هذه منوطة بأهلها، فليس للأفراد أن ينصبوا أنفسهم في ذلك وهذا يتحقق به الفساد.
الأمر الثاني: أنهم إذا فعلوا ذلك فإنه يكون عندهم افتئات وانشقاق على الصف وبالتالي فيكون لهم فرقة على الجماعة وذهاب إلى الشذوذ والإنفراد.
الإمام ولي الأمر أو أهل القضاء أهل الفتيا أو الوزير في وزارته أو الرئيس في رئاسته إلى آخره، قد يكون عنده نقص في بعض المسائل، أو قد يرى المصلحة في شيء ويكون عند بعض الرعية رأي آخر في ذلك، فكيف يبديه له، هنا الرعية غير مناط بها أن تجعل نفسها هي المدركة للمصالح والمحافظة على المصالح العليا المصالح المتوسطة والمصالح الفردية ربما تخاطب بها بحسب الحال لكن المصالح العليا، لا.
[مشاركة الفرد في تحقيق المصالح العليا تكون بالنصيحة والبيان]
فإذن كيف يشارك الناس في تحقيق المصالح العليا بمبدأ المشورة، بمبدأ النصيحة، بمبدأ إعطاء الأمر والبيان في هذا، فالمشاركة مطلوبة، فليس معنى أن يكون المناط بالجهات هم أهل رعاية المصلحة معناه أن لا يشارك في ذلك، المطلوب أن يشاركوا لكن بحسب الطريقة الشرعية.
ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في الحديث الصحيح «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» ثلاثا قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة الناس وعامتهم» لماذا النصيحة لأئمة المسلمين؟ أئمة المسلمين: إمام المسجد في مسجده، وولي الأمر الإمام في إمامته العظمى، كل بحسب الحال، فهنا يأتي مبدأ النصيحة مبدأ النصيحة يكون بخلقه وبكلماته؛ لأنه يكون محقق المصلحة فتلفت نظره إلى شيء ربما لم يكن ملتفتا إليه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المصالح العليا للأمة وضرورة المحافظة عليها ( الجزء الأول )
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: قسم العلوم الأخرى :: منتدى الدروس السمعية و المفرغة و المقاطع الصوتية-
انتقل الى: